|
خادم الرعيّة: أ. نعيم كوريّة؛ الكاهن المساعد: أ. جورج جبلي
العنوان : كنيسة القدّيس بولس، حريصا 4704 جونية كسروان - لبنان
للاتّصال: تلفون 263920 – 263749 9 961+
فاكس 263818 9 961 +
بريد إلكتروني: bsph@paulistes.org
في 7 كانون الثاني 1947، كتب الكردينال تيسّران
(أمين المجمع المقدّس للكنائس الشرقيّة يومذاك) إلى الأب أنطون حبيب الرئيس العام للجمعيّة البولسيّة:
"إنّ هذا الديوان المقدّس ما نسي قطّ ضرورة وجود كنيسة في الدير الرئيسيّ لجمعيّتكم الرسوليّة، تلبّي حاجات جمهوركم الذي تزايد كثيرًا في هذه السنوات الأخيرة...".
وكان "الشنوان" (chanoine) دومنيل، نائب سكرتير مبرّة الشرق في فرنسا، قد تلقّى في عام 1945 من نيافته إشارة لطيفة: "يلزمهم ثلاثة ملايين!" وكتب الأب أنطون حبيب إلى نيافته، في 21 كانون الأول 1945: "أجل إنّها قضيّة ملايين، ولا شيء غير الملايين يمكنه أن يطلع من الأرض الكنيسة، التي ننتظرها منذ 44 سنة. ولكنّ قلبكم الأبويّ يستطيع إيجاد هذه الملايين لأبنائكم في حريصا، ونحن في انتظار الدفعة الأولى لإرساء الحجر الأول...".
وكانت الدفعة الأولى مساعدة متواضعة بعث بها الكردينال:
"إنّ هذا الديوان المقدّس قد جمع تقادم صغيرة مختلفة، مخصّصة لشؤون العبادة. وفي حوزته الآن منها لهذه الغاية مبلغ 2493 دولارًا، وسوف يضاف إليه في المستقبل تقادم أخرى، دفعة بعد دفعة..." (رسالة الكردينال تيسّران، في 7 كانون الثاني 1946).
وما عتّم أن وصل مبلغ آخر أكبر، فأتاح مباشرة العمل. وبفرح ظاهر، كتب نيافته إلى الرئيس العام، في 29 كانون الثاني 1947، يبشّره بتخصيص هذه المساعدة للمشروع:
"يسرّني إعلامكم، أبتِ الجزيل الاحترام، أنّ هذا المجمع المقدّس قد فحص، في اجتماعه أمس، التصاميم التي قام بها المهندس ألتونيان لكنيسة حريصا. فقرّر أن يضع تحت تصرّفكم مبلغ 000 50 دولارًا.
"إنّ هذا المبلغ لا يقوم بكلّ ما يلزم، ولكنّه يمكّن من بدء العمل، ونرجو أنّ أبناء الطائفة الملكيّة لن يبخلوا على هذه الجمعيّة بمساعداتهم.
"والمجمع المقدّس يحثّ أبوّتكم على بدء العمل؛ ورغبة منّا أن يتاح لزوّار حريصا تقديم مساهمتهم، أدعوكم أن تبنوا أوّلاً الأجزاء الجوهريّة، التي لا غنى عنها، لتستطيعوا في ما بعد، بواسطة هبات المؤمنين، أن تكمّلوا وتزيّنوا ما يكون قد بني ...".
لقد كان نظر الكردينال صائبًا، فإنّ رومة بقطعها المساعدة نهائيًا، قد وضعت ثقتها في سخاء المؤمنين. فهل يخيّب أملها؟
في أوّل يوم من أيار 1947، وهو افتتاح الشهر المريميّ في حريصا، بدأت أعمال الحفر وتسوية الأرض، وعلى قمّة ضيّقة كان لا بدّ من إصلاح مساحة كافية للورشة، فراحت شجيرات الصنوبر التي تكلّل القمّة تهوي الواحدة تلو الأخرى أمام غزو الإسمنت المسلّح.
ولمّا كانت الجبّالات غير شائعة يومذاك، فقد تضافرت سواعد أهل الدير جميعًا، من الكهول إلى الأحداث، على صبّ كميّات هائلة من الإسمنت في قلب تربة حريصا الفتّاتة، حتى تنهض الكنيسة يومًا مؤسّسةً حقًّا على ثبات الصخر.
وبدأت الدعائم ترتفع، بينما الأعمدة وتيجانها تلين مطواعة تحت إزميل مهرة النحّاتين من أبناء المنطقة، فتخرج رائعة في بساطتها، ثمّ تقوم عليها أقواس الرواق المعدّ للطوافات الليترجيّة.
وكان العمل قد وصل إلى علوّ تلك الأقواس، عندما خطفت يد المنون فجأة باعث المشروع والساهر على تنفيذه، المثلّث الرحمة الأب أنطون حبيب، فجرى له مأتم مهيب على ورشة العمل بالذات، ما بين جدران غير مكتملة تظلّلها قبّة السماء. ولكنّ ملامح البناء كانت قد بدأت ترتسم، معلنة ما سيكون عليه من الروعة لدى اكتماله.
وكان على الأب بولس أشقر، خلف الرئيس الراحل، أن يتمّ بناء بالغ الجرأة. فهناك أربع قباب نصفيّة تحمل القبّة الكبرى، على علو 48 مترًا، وبقطر قاعدة يبلغ 12 م.
عمل شاق ودقيق جدًّا تكتنفه المخاطر والمشكلات التقنيّة. ومع ذلك فقد أتمّه بنجاح مقاول بسيط من المنطقة اسمه زخيا طوبيا المير مستعيناً بأبسط الوسائل.
وما بين 1952 و 1962، تقدّم العمل سريعًا تارة، وبطيئًا أخرى، مع فترات توقّف تامّ، وفق توفّر المساعدات. وكان ترد من محسنين أصدقاء للجمعيّة (فالمرحوم جورج صحناوي قد قدّم تكاليف المدفن، تخليدًا لذكر المؤسّس خاله) أو من تبرّعات من الخارج.
إنتهت أعمال التوريق الخارجيّ سنة 1962، فبدا البناء فخمًا يتزاوج فيه الأصفر والأبيض في انسجام رائع، وأخذت الكنيسة ببرجها العالي، وقبابها المتراكبة وقناطرها البيضاء، تستهوي الأنظار من كلّ مكان. ولا غرو فهي جاثمة على أجمل شرفة طبيعيّة في لبنان، تطلّ على خليج جونية الشهير، وتبرز ناتئة فوق الهضاب الخضراء، التي تنتهي بها سلسلة جبال لبنان الغربيّة. فإذا بها معلم من المعالم الروحيّة الناشبة في جغرافية البلاد وتاريخها.
وجاء الأب يوحنّا الشامي خلفًا للأب بولس أشقر (1962)، فوضع اللمسات الأخيرة على إنجازات الخارج، وكانت الكنيسة، منذ عقد قبّتها الكبرى عام 1954، قد أصبحت مكان العبادة لسكّان الدير، يبثّونه نجواهم الروحيّة، ويسكبون فيه ـ حتى قبل تمامه ـ صلواتهم اليوميّة المتواضعة، وحفلات أعيادهم الكبرى. فهناك عمادات وأكاليل المؤمنين من الجوار، ومن كلّ مكان، وهناك رساماتنا الكهنوتيّة كلّ سنة، وهناك أيضًا أحزاننا البولسيّة، تستمدّ من عظمة الخطوط وسكينتها يقين الرجاء لحياة الخلود. |